عمران المذنب.. قصـة مدينهّ
مرت منطقة نجد فيما بين القرن
الخامس والعاشر الهجري بفترة مظلمة
ساد فيها الجهل وشاعت الأمية وإنعدمت
المصادر التي تسجل أحداث هذه الفترة
الزمنية الطويلة .
لذا فمن الصعوبة البالغة التعرف على
التاريخ الحقيقي لسائر بلدان نجد
خلال تلك الفترة. ويمكن القول إن
المذنب يعتبر من أقدم جهات القصيم
عمراناً كما تدل على ذلك بعض الآثار
التي يعتقد بأنها ترجع إلى القرن
السادس أو السابع الهجري.
ومن المؤكد أن المذنب كان ( للبواهل )
في الفترة التي سبقت القرن العاشر
الهجري حيث أشار المؤرخ المعروف
إبراهيم بن صالح بن عيسى فيما نقله
عنه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن
البسام إلى تاريخ المذنب وأمرائه حيث
قال :
إن المذنب كان لأحد بطون باهله في
القرون الوسطى و- حصن البواهل - هو
القصر المعروف شمال الجامع وهو خارج
عنه بينهم سوق عرضه 16 ذراعاً .. والقصر
له باب واحد .
وأضاف :
وقد قدم عليهم عبد الله بن إبراهيم
الخريدلي في القرن العاشر من ( الفرعه
) القرية المعروفة بالوشم قرب ( أشيقر
) فإشترى نصف المذنب من البواهل
واشترى أخوه معجل وأبناء عمهم آل
إبراهيم - المعروفين بآل شامخ الآن -
اشتروا ماله .
ثم تتابعت هجرة ( النواصر ) وهم من
ذرية - رحمه - و إزدادت هجرة النواصر
إلى المذنب فاشتروا نصيب الفضول منه
وتولى الإمارة فيه عبد الله الخريدلي
ثم بعده ابنه ابراهيم وطالت مدة
إبراهيم واتسع العمران في زمنه ونزل
عليه لفيف من الجيران منهم شتوي
الدوسري من أهل ( الشماسية ) نزل فداوي
عنده مدة ثم أعانه على عمارة ( عين
نبعه ) وطلب منه الإعانة فأعانه على
عمارتها .
كما نزل بالمذنب ( آل شويمان ) وعمروا (
الثليما ) وكذلك ( الفداغمة .. من
الوهبة ) جاءوا إلى المذنب من سدير ..
فعمر المذنب وكثر سكانه من النواصر
والموالي .
وأولاد إبراهيم ثلاثة هم ابنه ( هندي
ويحيى وعبد الله ) وقد تولى الإمارة
بعده ابنه هندي وبعد هندي عبد العزيز
ثم صارت الإمارة لفهد الشامخ آل
إبراهيم وتوفي في حدود 1230هـ ثم
انتقلت الإمارة إلى محمد بن عبد الله
الخريدي إلى عام 1285هـ وتخلل إمارته
تأمر إبراهيم الناصر العقيلي .
وأخيراً قتلوه وتأمر أخوه سليمان
العقيلي وصار الأمير فيما بعد صالح
ابن محمد الخريدي من عام 1285هـ إلى 1308هـ
فقتل في ( المليدا ) ثم صار الأمير
الحالي ) . .
انتهى كلام ابن عيسى.
وكان البواهل قد عزموا على غزوا (
الغاط ) فعلم أميرها السديري بذلك وهم
على مقربة منه فأغار عليهم فجأة في
موقع في النفود الشرقية يدعى - خل
الباهلي الشرقي - وقتل منهم عدداً
كبيراً ثم حاصرهم فاستعانوا عليه
بالفضول من قبيلة عنزه التي كان لها
وجود في المنطقة آنذاك ( و عين ابن
هذال شرق المذنب منسوبه لأحد شيوخهم )
، ولما اشترى النواصر أهل الفرعة
أملاك البواهل في القرن العاشر
الهجري كما ذكر ابن عيسى وفي رواية
أخرى أن ذلك كان في عام 1025هـ يقول
شاعر البواهل أثناء رحيلهم :
يــا ديــرتي بـــين
الودي وخـرطـم
يلـذ علـى بالي مـراعــا قصورهــا
نزح البواهل نحو الغرب حيث توفي
أحدهم في ( نفود الشقيقة ) في موضع
أصبح يدعى ( خل الباهلي .. القبلي )
فعمروا
( الأثلة ) ، وسكن بعضهم في ( نفي )كأسرة
( آل سبيل ) ومنهم الشاعر المشهور عبد
الله ابن سبيل . وتذكر بعض الروايات
أن البواهل قد استثنوا من أملاكهم
التي باعوها للنواصر ( جبل خرطم )
ودكانين في ( ملوط ) أحد شوارع الديرة
القديمة و ( باب قصر باهلةه ) الذي كان
في نهاية المجلس القديم من الجهة
الغربية. وقد تميز هذا الباب بمتانته
وكبر حجمه وكانت قاعدته واطرافه من
خشب الأثل ووسطه من جذوع النخيل. وكان
الأمير فهد العقيلي قد قام بتركيب
الباب في الجهة الغربية من مزرعته (
بالقفيفة ) في نهاية شعبة متفرعة من
الوادي. وفي عام 1359هـ نقلت السيول
الشديدة هذا الباب عبر وادي نسر حتى
وصل أثل العمر شرق ( أم الحمام ) وبقي
هناك فترة طويلة حتى اصابه التلف .
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد العزيز ابن
مانع ( مدير المعارف سابقاً وأحد
تلامذة الشيخ عبد الله بن دخيل ) أن
العالم المعروف عبد الله بن عضيب
الناصري (1070 - 1160هـ) كان في بلد المذنب
قبل أن يتولى قضاء عنيزه عام 1110هـ.
وكان قد رحل من ( الوشم ) إلى المذنب
لوجود اسرته النواصر بها حيث كانت
لهم الإمارة ، ويكونون معظم السكان
قبل ذلك التاريخ بمدة طويلة .
وقد أورد مؤرخاً نجد المعروفان الشيخ
عثمان بن بشر والشيخ إبراهيم بن عيسى
الكثير عن اختلاف النواصر أهل الفرعة
وصراعهم مع الوهبة في أشيقر نورده
باختصار لما له من علاقة بتاريخ
المذنب :
فذكر ابن عيسى : ( أنه في عام 1111هـ سطا
دبوس بن دخيل الناصري في أشيقر فقتله
اهلها وانهزم أهل الفرعة بعد أن قتل
منهم عدة رجال ) .
واشار ابن بشر في حوادث عام 1121هـ إلى
اختلاف النواصر في الفرعة ومقتل
عيبان بن حمد بن محمد بن عضيب في
المذنب على يد إبراهيم بن حسين وشايع
بن عبد الله بن محمد بن حسين بن حمد.
ويروى أن سبب مقتل عيبان بن حمد ، هو
معارضته لإبراهيم بن حسين في موضوع
جمع وتوزيع الديات التي كان يتولاها
إبراهيم بن حسين الذي اوصى أبن اخته
شايع بن عب الله بالقضاء عليه أثناء
سفرهما إلى المذنب .
ثم ذكر أحداثاً وردت في مخطوطة لابن
يوسف من أهل اشيقر بتوضيح أكثر نكتفي
بالإشارة إليها :
ففي عام 1135هـ ( سطا آل مشرف أهل أشيقر
في بلدة الفرعة وأخرجوا النواصر منها
وهدموا قصرهم .. وكان رئيس النواصر في
ذلك الحين إبراهيم بن حسين الذي رحل
بأهله مع خريدل إلى ديرتهم المذنب ) .
وفي عام 1139هـ سطا النواصر بزعامة
إبراهيم بن حسين وخريدل برفاقتهم أهل
المذنب وذبحوا من وجدوا من آل مشرف
وملكوا الفرعة ، ونزل إبراهيم بن
حسين مع أولاد إبنه حمد ( وهم منصور
وعبد الله في قصر الفرعة ) ، أما خريدل
فاستدعاه أخوه معجل للمذنب بعد ان
غرس حوطته المعروفة في المذنب وترك
له نصفها على أن ينزل عنده ، فراح
للمذنب وقسم له أخوه معجل نصفها ونزل
المذنب وبقي إبراهيم بن حسين الحسيني
في الفرعة .
وفي عام 1340هـ سطا آل عضيب من النواصر
من بلدة الفرعة على المشارفة وقتل
منهم عثمان بن عضيب ورومي بن عيبان
وراشد بن دخيل وأخوه عجلان وغيرهم .
وفي شهر شعبان عام 1147هـ سطا آل مشرف
في الفرعة على منصور بن حمد رئيس
الفرعة بعد جده إبراهيم بن حسين
واخذوا القصر .. فاستطاع منصور الفرار
من فتحة في القصر الى دار أحد أخوانه
وجمع لهم قوة استطاع بها إخراجهم من
القصر ولما جاءت فزعة المذنب كان
الأمر قد انتهى .
وفي عام 1149هـ تصالح النواصر مع أهل
أشيقر .
وقد تولى إمارة المذنب كما ورد في
النصوص التاريخية السابقة كل من :
1 - عبد الله بن إبراهيم الخريدلي .
2 - إبراهيم الخريدلي .
3 - هندي الخريدلي .
4 - عبد العزيز الخريدلي .
5 - فهد بن ناصر الشامخ وقد توفي عام 1230هـ
.
6 - إبراهيم الناصر العقيلي.
7 - سليمان الناصر العقيلي .
8 - محمد العبد الله الخريدلي وكان قد
تولى عام 1230هـ ثم عاد لإمارته مرة
اخرى .
9 - صالح بن محمد الخرديلي .
10 - وقد انتقلت إمارة المذنب بعد
موقعة المليدا عام 1308هـ إلى الأمير
فهد بن عبد الكريم العقيلي ( على
الرغم من صغر سنه آنذاك حيث كان يقارب
الثامنة عشرة من عمره ) .
ويعتبر قصر باهلة والمنطقة المحيطة
به قرب المسجد الجامع بالديرة قلب
المذنب القديم أو ( النواة الداخلية )
التي نمت حولها المدينة أيام البواهل
وتوسعت بعد قدوم النواصر اليها
قادمين من الفرعة من الوشم .
وقد أعقب ذلك عمران قرية ( نبعه ) على
يد شتوي الدوسري الذي استقطعها من
الأمير إبراهيم بن عبد الله الخريدلي
في القرن الحادي عشر الهجري بعد أن مر
بمكانها واكتشف وجود الماء فيها ( بعد
أن لمح طيراً يخرج من جحر يشبه الخسف
فاخذ حجراً وعقد فيه حبلاً ودلاه
داخل الجحر ، ولما أتى بالعمال
لحفرها وإذا الماء نابع فيها ..
فسماها بهذا الاسم ) وقد أعانه الأمير
إبراهيم الخريدلي على عمارتها .
كما عمر آل شويمان ( الثليما ) قرب (
نبعه ) في الفترة المذكورة نفسها كما
ذكر ابن عيسى .
وعلى الرغم من أقدمية عمران نبعه
والثليما بالنسبة لأجزاء المذنب
الاخرى فإنها كانت إلى أمد قريب
تعتبر خارج نطاق المدينة القديمة حيث
تبعد عنها ببضعة كيلومترات نحو الغرب
وقد أحيطت المدينة القديمة بسور له
أربع بوابات هي ( باب الخلاء وباب
الحيطان وباب المغيريب وباب
الدروازة ) .
كما أحيط السور ببضعة ابراج للحماية
ما زالت آثار بعضها قائمة حتى الآن ،
وتتميز شوارع المدينة القديمة
بقصرها وتعرجها وضيقها ويكون بضعها
مسقوفاً توجد فيها بعض الحوانيت
الخاصة بالنساء وينتهي معظمها في
ساحة واسعة نسبياً تسمى ( المجلس )
ينعقد فيها سوق كبير بعد صلاة الجمعة
من كل أسبوع وعلى جوانبها دكاكين
لبيع مختلف البضائع لمرتادي السوق من
البدو والفلاحين .
وقد تجاوز العمران حدود السور في
نهاية القرن الثالث عشر الهجري كما
قامت منازل عديدة وسط بساتين النخيل
في أطراف المدينة وظهرت حارة (
الشورقية ) في القرن الثالث عشر -
أيضاً - عندما اشترى شايع بن محمد بن
حسين
( اللصافة )فلم تكفه فغرس نخيلاً إلى
الشرق منها سماها الشرقية حرفت إلى
الاسم الحالي وعمرت مع مرور الوقت .
وسنورد بالنص مقتطفات تاريخية تلقي
الضوء على الوضع العمراني والتاريخي
في تلك الفترة :
فقد ذكر المبعوث الإنجليزي جورج
سادلر الذي مر بالمذنب عام 1234هـ أن
المذنب بلدة مفتوحة ليس بها أسوار
وبها آبار كثيرة ومزارع .
وذكر لوريمر في كتابه دليل الخليج
الذي انتهى من تأليفه عام 1325هـ ما يلي:
( المذنب بلدة مسورة لها أربع بوابات
وقد امتدت المباني في السنين الأخيرة
إلى ما بعد السور ، كما تتوزع المنازل
بين حدائق النخيل وبها مجموعة من
المنازل ذات الطابقين ويحتوي السوق
على عشرين محلاً تجارياً .. حدائق
النخيل واسعة وتوجد بها زراعة القمح
والذرة والشعير. والمياه على عمق 6
قامات ) .
كما ذكر محمود شكري الالوسي في
الفترة نفسها أن المذنب يتكون من
ثلاث قرى وبه 600 بيت وزراعة ونخيل.
وأشار عمر رضا كحالة إلى ( أن المذنب
جملة قرى آهلة بالسكان منضم بعضها
إلى بعض وآبارها غير عذبة وبها
كثير من القصور ويبلغ عدد سكانها 2500
نسمة ولقربها من الوشم عدت قسماً منه
ويعتبرها بعض النجديين قسماً
قائماً بنفسه ) .
وذكر حافظ وهبة أن المذنب يقع في
منتصف الطريق بين شقراء والقصيم
ويبلغ سكانه 3000 نفس .
[ مرحبـا ][ بانوراما ][ صور][ دليل الهاتف ][ مكتبة المذنب][ جولة سعوديه ][ سجل الزوار][الصفحة الرئيسيه][English]