مذنب.. أم ( ذنائب )؟!!

يطلق لفظ المذنب - على وزن منبر بكسر الميم وسكون الذال وفتح النون - كما ورد في القاموس المحيط على مسيل الماء إلى الأرض.
وذكر صاحب المنجد في اللغة والأدب أن مذانب الأودية هي المواضع التي ينتهي إليها سيلها، والمذنب مسيل الماء، والجدول إذا لم يكن واسعاً يقال سالت المذانب أي مسايل الماء، والجدول إذا لم يكن واسعاً يقال سالت المذانب أي مسايل الماء.
وورد في لسان العرب أن المذنب مسيل ما بين تلعتين.
ونسب للجوهري قوله: المذنب مسيل الماء في الحضيص. ثم ذكر أن ( أذناب الأودية ) أسافلها، وأشار إلى الحديث: (يقعد أعرابها على أذناب أوديتها فلا يصل إلى الحج أحد). ونسب إلى أبو حنيفة قوله : المذنب كهيئة الجدول يسيل على الروضة ماؤها إلى غيرها فيفرق ماؤها فيها، كما قال امرؤ القيس:

وقــد اغتــدي والطير فـي وكنــاتها
ومـاء الندى يـجري علـى كــل ( مذنب )

وكما قال جابر بن حني التغلبي:

لا أرض اكثـر مـنك بيـض نعـامــة
و( مـذانبـاً ) تندى وروضـــاً أخضـــرا

وذكر ياقوت الحموي أن اصل المذنب هو مسيل الماء بحضيض من الأرض بين تلعتين، ونسب إلى أبن شميل قوله : إن المذنب كهيئة الجدول يسيل عن الروضة ماؤها إلى غيرها، فيتفرق ماؤها فيها والتي يسيل عليها الماء مذانب أيضاً. وقد ورد في تاج العروس أن المذنب هو مسيل الماء في الحضيض ليس بخد واسع.
وهذه التعريفات المتقاربة تنطبق تماماً على طبيعة المنطقة التي اكسبتها هذا الأسم منذ العصر الجاهلي حيث إنها تقع عند نهاية مجموعة من الأودية التي تسيل مياهها عبر رياض متعاقبة من الجنوب إلى الشمال كالمصية والسفالة والروضة وغيرها.
وأورد ياقوت الحموي في كتابه المعروف (معجم البلدان) ذكر المذنب كما ينطق الآن، وذكر أنه جبل مستشهداً بقول لبيد بن ربيعة العامري - رضي الله عنه -:

طــرب الفـؤاد وليتـه لـم يطـــرب
وعنـاه .. ذكرى خلـــة لم تصقـــب
سفهـا ولـــو أنـي أطيـع عـواذلـي
فيمـا يشــرن بـــه بسفــح ( المذنب )
لـزجـرت قلبـاً لا يـريـــع لزاجــر
إن الغـوي إذا غـوى لـــم يعتـــب

ثم أشار إلى أن الحفصي ذكر أنه قرية لبني عامر في اليمامة .
وقد علل الشيخ محمد بن ناصر العبودي في كتابه القيم الشامل ( بلاد القصيم ) أنه ربما قصد بسفح المذنب جبل ( خرطم ) الذي يطل على المدينة من الناحية الشرقية، وان الحفصي نسبها لبني عامر - على الرغم من بعد مناطق استقرارهم عنها في العصر الجاهلي - إذ كانوا في أقصى جنوب غرب القصيم - لكونها وردت في شعر لبيد العامري - ولكن هذا لا يثبت أنها في بلاد قومه حيث إن الشعراء يذكرون أماكن بعيدة عنهم، وقد نسب الاصفهاني إلى العامري، قوله: (ليس ببلادنا قفاف وإنما هي في بلاد تميم). والقفاف هي الأراضي الصخرية، كما قال الهمداني: وبين السر والسرير قف يقال له الحلة فيه مياه كثيرة وطوله قدر نصف نهار. وقال أبو علي الهجري وهبالة ماء بالشريف بقرب الحلة، وقال البكري الحلة: موضع حزن وصخور ببلاد بني ضبة. وينطبق وصف الحلة وموقعها على صفراء السر التي يسمى امتدادها الشمالي صفراء المذنب التي تتوسط المنطقة والتي تعتبر بعيدة عن بلاد بني عامر وتوجد مناطق مشابهة لها مثل صفراء المستوى والجهات الواقعة بجوار نفود الدهناء في شرق الجزيرة العربية حيث تسود فيها قبيلة تميم ذات النفوذ الواسع والعدد الكبير.
وأما نسبتها لليمامة فبحكم التبعية الإدارية آنذاك حيث إن سائر جهات القصيم كان خراجها يؤدي لوالي اليمامة كما ذكر أبو عبيد البكري. وقد أشار لغدة الاصبهاني إلى (أن والي اليمامة كان يجبي بجبلي طي) مما يؤكد القول السابق.
وقد كان أصحاب المعاجم القديمة كالهمداني والاصفهاني وغيرهم ينسبون لليمامة مواقع كثيرة في القصيم وعالية نجد.
وقد أشار الهمداني الذي عاش بين عامي 280 0 334هـ. أثناء إيراده لبعض الأماكن جنوب المنطقة إلى قرارة المذنب، وذكر في موضع آخر (أن نهى المذنب مثل ذلك منبعه العارض، ويحده الرمل وهو رمل قاطع للأرض محيط يحتوي على حوية مثل النون فيقر فيها الماء سنين).
وينطبق هذا الوصف على أودية المنطقة التي تبدأ من الصفراء وتتجمع في بعض الرياض التي تجاورها النفود شرقاً، فتبقى فيها المياه لفترات طويلة كروضة المصية التي تقع جنوب شرق المذنب بحوالي 4 كم.
وقد ورد ذكر لموضع بهذا الاسم في أبيات لشاعر أسدي هو بشر بن أبي خازم حيث يقول:

فأبلـغ بــــني سعـد ولـن يتقبلــوا
رســولي ولك الحـزازة تنصــــب
حلفـت بـرب الـداميـات نحــــورها
ومـا ضـم أجــواز ( الــجواء ) و( مذنب )
لئـن شبـت الـحرب العوان الـــتي أرى
وقـد طـال أيـعــاد بهـا وتـــرهب
ستحـدركـم عبــس علينـا وعـامر
وتـرفعنـا بكـر إليكـــم وتغلـــب

كما ورد ذكر المذنب بصيغة التثنية في قول الطويق بن عاصم النميري:

عرفــت لحـبي بيـــن منعـرج السلوى
وأسفـل ذات الــبان مبـدي ومحضــرا
إلـى حيـث فـــاض ( المذنبـان ) وواجـها
مـن الرمـل ذي الارطـي قواعــد عقرا
بهـا كـن أسبـــاب الـهوى مطمئنـة
ومـات الهـوى ذاك الزمان واقصـــرا

ومما يرجح أنه قصد المذنب بالرغم من ورود الاسم بصيغة التثنية أن الشاعر من بني نمير ومنازلهم في الماضي كانت في منطقة السر المجاورة للمذنب من الجنوب، كما أن وصفه لمسيل الماء ومواجهته للرمل الذي تكثر به اشجار الأرطي ينطبق على صفة المنطقة التي تمر بها سيول أودية عديدة تواجهها من الشرق رمال نفود صعافيق التي تكثر بها أشجار الأرطي وغيرها.
كما ورد ذكر المذنب بصيغة الجمع (المذانب) في قصائد عديدة منها ابيات لشاعر سبق له أن ذكرها بصيغة الإفراد هو لبيد بن ربيعة حيث يقول:

ألــم تلمـلـم علـــى الدمن الخوالي
لسلمــى ( بالمـذانـب ) .. فـالقفـال

ومما يؤكد ذلك ورود ذكر المذانب مقروناً بذكر منعرج اللوى، وهو ما التوى من الرمل في بيتين لأعرابي رواهما الإمام ابن السكيت حيث يقول:

خليلـي عــوجـا من بطــون الركائب
علـى طلـل بيـن السلــوى و ( المذانب )


[ مرحبـا ][ بانوراما ][ صور][ دليل الهاتف ][ مكتبة المذنب][ جولة سعوديه ][ سجل الزوار][الصفحة الرئيسيه][English]