بيت .. من طين

البيت التقليدي في نجد:
هناك ترابط وثيق بين البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الإنسان والمواد التي يستخدمها في بناء مسكنه.
فكما أن رجال الأسكيمو في المناطق القطبية المتجمدة يبني بيته من الثلج، وسكان الجبال يبنون منازلهم من الصخور.
ففي منطقة زراعية كالمذنب وبقية مناطق نجد فإن جميع المواد المستعملة في بناء البيت من أساسه إلى قمته كانت متوافرة محلياً. حيث كان يتم بناء أساسات البيت من الأحجار الموجودة في الحافات الصخرية شرق المدينة. وكان الطين هو المادة الرئيسية في البناء حيث يتم تجفيفه على شكل كتل مستطيلة تسمى
( اللبن ) بكسر اللام والباء حيث يوضع الطين المخلوط مع التبن في قالب من الخشب مفتوح من الجهتين العليا والسفلى يسمى ( الملبن ) ويتم تعرض الكتل الطينية لأشعة الشمس لبضعة أيام تصف بالعرض فوق بعضها ـ ويساعد على تماسكها وضع الطين الرطب بين طياتها الذي يخلط مع التبن ويخمر ثم يتم تقطيعه قبل استعماله.
ويقوم بالإشراف على البناء شخص يتميز بالمهارة والقدرة الفنية ويطلق عليه اسم
( الاستاد ) وهو لقب يطلقه العامة على كل ذي خبرة في أي مجال فيقول المثل الشعبي ( مهنة بلا - استاد - آخرها للفساد ) ويساعده مجموعة من العمال يتراوح عددهم ما بين 4 - 15 شخصاً حسب اتساع المبنى.
ويستعمل خشب
( الأثل ) في تسقيف المبنى ويرص فوقه صفوف من جريد النخل بعد إزالة الخوص من قبل الأطفال غالباً ، حيث يطلب منهم صاحب المبنى ذلك مقابل مبلغ مالي محدود. ثم يغطى الجريد بالخوص ثم بالطين المخلوط مع التبن لزيادة تماسكه وعدم تشققه.
كما يستخدم الطين - أيضاً - في تكسية الجدران من الداخل والخارج وتسمى هذه العملية
( الشباع ).
ويتوافر في المنطقة
( الجص ) الذي يستعمل في طلاء واجهات المنزل الداخلية والخارجية حيث يوجد في شمال المدينة كما أشرنا إلى ذلك في موضوع التكوين الجيولوجي ويتم إحراق أحجار الجص ذات اللون الأحمر لتتحول إلى مسحوق ابيض يستخدم في البناء.
ويقوم الصناع المحليون بعمل الأبواب والنوافذ الخشبية التي تتزين بالزخارف المتنوعة، وتتكون الأقفال الخشبية للأبواب من قطعتين مستطيلتين إحداهما تفتح من الداخل والخارج بواسطة مفتاح كبير من الخشب به أعواد بارزة توازي عدد الثقوب التي تسقط بها أعواد مماثلة داخل القفل الخشبي.
وقد تم استخدام الخشب والألواح المستوردة في التسقيف واستعمل الأسمنت بشكل جزئي كخطوة مرت بها الحركة العمرانية قبل أن ينعدم هذا النمط القديم نهائياً منذ عام 1385هـ وإن كانت الأحياء القديمة تزخر بالمئات من البيوت الطينية المعتمدة في بنائها على الخدمات المحلية قبل هذا التاريخ.

تخطيط المنازل :
تميزت المساكن القديمة باتساع مساحتها النسبية لرخص قيمة الأرض في الماضي ولتكونها من طابق واحد في الغالب. ويحيط بها سور بارتفاع جدران البيت يعلو زواياه كتل طينية مزخرفة تسمى ( الزرانيق ) وقد تمتد على طول الجدار الخارجي بحجم أصغر وشكل موحد يطلق عليه ( الشرف ).
ويتمشى تخطيط البيت من الداخل مع رغبات السكان ويتلاءم مع أوضاعهم الاجتماعية وقدراتهم الفنية.
وقد كانت غرفة الاستقبال التي تسمى
( القهوة ) أو ( المجلس ) تحظى بالاهتمام الشديد في عمرانها باعتبارها واجهة المنزل. حيث تختلف عن سائر جهات البيت بارتفاعها الشديد الذي يزيد على سبعة أمتار ومساحتها الواسعة التي تصل إلى 40م مربع لتتسع لأكبر عدد ممكن من الضيوف. كما تزين جدرانها وأبوابها ونوافذها بالزخارف ذات الأشكال المختلفة. كما يغطي سقفها أحياناً بطبقة من القماش.
وتستقبل القهوة بليوانها الخاص الذي يقام على أعمدة من الحجر والذي يتصل بدهليز مسقوف يوصل الباب الخارجي الخاص بالرجال يسمى
( السويق ) كما يتصل بدرج خاص يربطها بسطح الليوان الذي يقل عن ارتفاع سطح القهوة بأكثر من مترين.
ويوجد في جدار القهوة المطل على الليوان صفان من النوافذ أحدهما علوي ضيق الفتحات يمتد للجدران الأخرى وقد يثبت على كل منها شبك معدني لمنع العصافير والحشرات من الدخول، وصف سفلي أوسع بمحاذاة رؤوس الرجال الجالسين وتصل أبعاد نوافذه إلى 1 x 2 متر يركب عليها أبواب خشبية مزخرفة تفتح وتغلق من الداخل.
وفي صدر المجلس موقد النار ويسمى
( الوجار ) ويوجد خلفه باب صغير يؤدي إلى الطاق الذي يخزن فيه الحطب المستعمل في إشعال النار وسط الوجار. ويكون الحطب في الغالب من السمر والأرطي. وتوجد بين الطاق والوجار مساحة صغيرة تسمى ( المسوى ) يجلس فيها من يقوم بإعداد القهوة ويوجد على يساره بيوت جانبية مزخرفة تصف فيها دلال القهوة وأباريق الشاي وتوضع فيها العلب التي تملأ بمستلزمات صنع القهوة والشاي ، وإلى يمينه مجلس صغير يسمى ( المحكمة ) بضم الميم والكاف يخصص غالباً لجلوس كبار السن والضيوف بينما يجلس باقي المدعوين في جوانب المساحة الواسعة التي يمتد على جوانبها صفان من الوسائد وتفرش بأفضل أنواع السجاد المتوافر.
ويوجد فوق الوجار مباشرة في السقف فتحة تبلغ أبعادها 50 x 70 سم تسمى (
الكشاف ) ليتسرب منها الدخان الناتج إشعال النار ويتم فتحها بواسطة حبل طويل ينتهي بالقرب ممن يقوم بإعداد القهوة لاستعماله عند اللزوم. وقد توجد فتحة مماثلة في سقف البيت الداخلي تستعمل للغرض نفسه تكون مستديرة وضيقة في الغالب تسمى ( النبر ) وتغطي وقت هطول المطر.
ويتكون مخطط البيت الداخلي الخاص بأفراد العائلة من صالة داخلية مغلقة يطلق عليها اسم
( القبة ) تتفرع منها غرف داخلية قليلة التهوية توجد في إحداها غرفة صغيرة جداً لتخزين التمر تسمى ( الجصة ) لها باب صغير مرتفع في الوسط وبجانبها حفرة صغيرة يتسرب إليها الدبس الناتج عن رص التمر عبر مجرى صغير في اسفل الجصة.
وفي طرف هذه الصالة التي تعتبر مكاناً ملائماً لاجتماع أفراد العائلة يصعد منها درج إلى السطح يقام تحته غرف صغيرة جداً ذات سقف مائل تستخدم لتخزين المؤن. وقد كان للسطح الذي يسميه العامة
( الطاية ) أهمية كبيرة حيث كان يستغل للنوم في ليالي الصيف الحارة أو القيلولة في أيام الشتاء. ولذا ترفع جدرانه إلى الحد الذي يجعله مستوراً من أصحاب البيوت المجاورة. ويتم تصريف مياه الأمطار عن طريق خشبة منحوتة تبرز إلى الخارج تسمى المثعب.
وفي منازل الفلاحين وسط المزارع تلحق بالبيت احواش للبهائم وغرفة كبيرة لتخزين العلف تسمى
( الدكة ) كما قد يبنى وسط البستان صالة جلوس مؤقتة تستعمل في فصل الصيف تسمى (العشة ) حيث يبنى جدار من الطين بارتفاع يقارب المتر وتقام جذوع النخيل ليساعد على دخول الهواء.
ومما يلاحظ أن التسميات الشعبية لأجزاء البيت القديم معروفة في سائر جهات نجد منذ القدم .. حيث يقول ( حميدان الشـويعر ) من أهل ( القصـب ) بالوشم ، ضمن قصيدة طويلة في إبنه مانع - في منتصف القرن الثاني عشر الهجري - منها :

مــانع خيـــال بالـــدكة
ظفـــر بـــراس المقصــورة
فــي البيـت تعـيزل وتبــيزل
مـا قــال الجصــة ممخـــورة
أقــصى مــا يبعــد للطايـة
والمطـبــخ ورده وصـــدوره

وقد يبنى في بعض البيوت فوق السطح غرف يطلق على مفردها اسم ( الروشن ) ينحصر استعمالها في مناسبات خاصة على الرغم من الاهتمام الظاهر في بنائها.
كما يقوم بعض الموسرين بحفر بئر ضيقة داخل البيت تسمى
( الحسو ) لاستغلالها في جلب الماء الذي يستعمل لغسيل الأواني والملابس والوضوء ، ويتم استخراج الماء منه بتثبيت بكرة خشبية تسمى ( المحالة ) يسير عليها حبل غليظ يسمى ( الرشاء ) يرتبط به الدلو الذي يمتلىء بالماء الذي يجمع في وعاء مستطيل الشكل يسمى ( القرو ) ينحت من الحجر الخالص بأسفله فتحات صغيرة لخروج الماء، ويقام أحياناً قرب المساجد لاستخدامه في الوضوء.
وقد تم إجراء تعديلات على هذا التخطيط القديم ليكون متلائماً مع الأوضاع الجديدة .
حيث تم تقليص ارتفاع ومساحة غرفة الاستقبال مع استبعاد الفتحة العلوية والطاق والوجار لعدم الحاجة لاستعمال الحطب في أعداد القهوة والتدفئة بعد توافر وسائل الوقود الأخرى.
واصبح البيت الداخلي متكوناً في الغالب من فناء واسع يقابله صف من الغرف أمامها ليوان مسقوف يقام على أعمدة من الحجر له أهمية فيم نع تسرب مياه المطر وحجب أشعة الشمس حين تنعدم الحاجة إليها.
وفي بداية العقد الأخير من القرن الماضي وبسبب الدعم السخي للدولة في سبيل إعداد المسكن الصحي لكل مواطن فقد ظهرت في المنطقة أحياء جديدة تحتوي على آلاف الفلل الأنيقة .


[ مرحبـا ][ بانوراما ][ صور][ دليل الهاتف ][ مكتبة المذنب][ جولة سعوديه ][ سجل الزوار][الصفحة الرئيسيه][English]